التركة الرقمية في الإمارات: ماهيتها، مشكلاتها، المحكمة المختصة والقانون الواجب التطبيق
بقلم: محمود عبدالرحمن – مستشار قانوني بالامارات العربية المتحدة
لم تعد التركة في العصر الحديث تقتصر على العقارات والأموال النقدية والحسابات المصرفية التقليدية، وإنما امتدت لتشمل نوعاً جديداً من الأموال والحقوق والمصالح ذات الطبيعة الإلكترونية، وهو ما أصبح يُعرف اصطلاحاً بـ التركة الرقمية.
ومع الانتشار المتزايد للعملات الرقمية والمحافظ الإلكترونية والمنصات الرقمية، أصبح من الضروري بحث مصير هذه الأصول بعد وفاة مالكها، وكيف يمكن للورثة إثبات ملكيتها وحصرها والوصول إليها وتوزيعها، وما المحكمة المختصة بنظر المنازعات المتعلقة بها، وما القانون الواجب التطبيق عليها.
أولاً: تعريف التركة الرقمية
يقصد بالتركة الرقمية – بوجه عام – مجموع الأموال والأصول والحقوق والمصالح ذات الطبيعة الرقمية التي يملكها الشخص أو تكون مرتبطة به، والتي تبقى بعد وفاته ويكون لها قيمة مالية أو قانونية أو شخصية، بحيث يتعين تحديد مصيرها وفقاً لطبيعتها والقانون الواجب التطبيق.
وتشمل التركة الرقمية، بحسب طبيعة كل حالة، العديد من الصور، ومن أهمها:
- العملات الرقمية والأصول المشفرة، مثل البيتكوين وغيرها.
- المحافظ الرقمية التي يحتفظ فيها الشخص بأصوله المشفرة.
- الحسابات المالية والمصرفية الإلكترونية.
- المواقع الإلكترونية وأسماء النطاقات.
- الأرصدة الموجودة في المنصات والمتاجر الإلكترونية.
- الملفات والمستندات المخزنة على الخدمات السحابية.
- الحقوق المالية المرتبطة ببعض المنصات والحسابات الإلكترونية.
- بعض الاشتراكات والخدمات الرقمية التي تكون لها قيمة مالية أو حقوق قابلة للانتقال.
- وغيرها من الأصول أو الحقوق التي يمكن أن يكون لها وجود أو قيمة في البيئة الرقمية.
ويجب هنا التمييز بين الأصل الرقمي ذي القيمة المالية وبين البيانات أو الحسابات ذات الطبيعة الشخصية؛ إذ إن مجرد وجود الحساب أو البيانات إلكترونياً لا يعني بالضرورة أنها تنتقل إلى الورثة بالطريقة ذاتها، وإنما يتوقف ذلك على طبيعتها والقانون الذي يحكمها وشروط الجهة التي تحتفظ بها.
ومن ثم، فإن التركة الرقمية قد تجمع بين أصول مالية قابلة للتقييم والتصفية، وبين حقوق أو بيانات ذات طبيعة قانونية أو شخصية تحتاج إلى معالجة خاصة.
ثانياً: مشكلة التركة الرقمية
تكمن المشكلة الرئيسية في التركة الرقمية في أن إثبات ملكية المتوفى للأصل الرقمي لا يعني بالضرورة إمكانية الوصول إليه فعلياً.
ففي التركة التقليدية، يستطيع الورثة – في الغالب – حصر العقارات والحسابات البنكية والمركبات وغيرها من الأموال من خلال المستندات الرسمية والجهات المختصة.
أما بالنسبة إلى الأصول الرقمية، فقد يكون المال موجوداً بالفعل، ولكن لا يستطيع الورثة الوصول إليه بسبب عدم معرفتهم بمكان وجوده أو عدم امتلاكهم وسائل الدخول إليه.
وتظهر المشكلة بصورة أكثر وضوحاً في العملات الرقمية.
فقد يعلم الورثة أن مورثهم كان يمتلك عملات رقمية، ولكنهم لا يعرفون:
- أين توجد هذه العملات؟
- هل هي محفوظة لدى منصة تداول؟
- أم في محفظة رقمية خاصة؟
- ما عنوان المحفظة؟
- ما المفتاح الخاص؟
- هل توجد عبارة استرداد؟
- وهل توجد محافظ أو حسابات أخرى لم يعلموا بوجودها؟
وهنا تظهر مشكلة جوهرية يمكن تلخيصها في العبارة الآتية:
قد يستطيع الورثة إثبات حقهم في التركة قانوناً، ولكن قد يتعذر عليهم الوصول إلى المال تقنياً.
المشكلة القانونية والتقنية
التركة الرقمية تجمع بين مشكلتين متلازمتين:
المشكلة القانونية:
وتتمثل في إثبات أن الأصل الرقمي كان مملوكاً للمتوفى، وإدخاله ضمن عناصر التركة، وتحديد أصحاب الحق فيه، وتحديد كيفية تصفيته أو قسمته.
التحديات التقنية في توريث العملات المشفرة
معضلة المفاتيح الخاصة ووسائل الوصول
تُعد مسألة الوصول إلى العملات المشفرة من أبرز التحديات التي تواجه انتقال الأصول الرقمية إلى الورثة. فحتى مع ثبوت ملكية المتوفى للعملات المشفرة وثبوت حق الورثة فيها، قد يتعذر الوصول إليها عملياً إذا كانت محفوظة في محفظة رقمية خاصة ولا تتوافر وسائل الدخول اللازمة إليها.
ويعتمد الوصول إلى بعض المحافظ الرقمية على المفتاح الخاص (Private Key) أو عبارة الاسترداد (Seed Phrase)، وهي أدوات تقنية تتيح السيطرة على الأصول الموجودة في المحفظة.
ومن ثم، فإن فقدان المفتاح الخاص أو عبارة الاسترداد قد يؤدي إلى تعذر الوصول إلى الأصول الرقمية، خصوصاً في المحافظ اللامركزية التي لا توجد فيها جهة مركزية تملك صلاحية إعادة إصدار المفتاح أو استعادة الوصول إلى الأموال.
وتبرز هنا إشكالية مهمة؛ فقد يكون الحق في الإرث ثابتاً من الناحية القانونية، بينما يتعذر تنفيذ هذا الحق من الناحية التقنية بسبب فقدان وسائل الوصول إلى الأصل الرقمي.
الحل القانوني والعملي
تتطلب حماية العملات المشفرة من مخاطر الضياع بعد الوفاة وضع ترتيبات مسبقة للتركة الرقمية، تتضمن تحديد وجود الأصول الرقمية وأماكن حفظها، وتنظيم كيفية الوصول إلى المعلومات اللازمة بشأنها بعد الوفاة، من خلال وسيلة آمنة تحافظ في الوقت ذاته على سرية المفاتيح الخاصة وعبارات الاسترداد.
ويُستحسن أن تكون هذه الترتيبات جزءاً من تخطيط قانوني متكامل للتركة، بما في ذلك الوصية متى كان ذلك مناسباً ومسموحاً به قانوناً، مع تجنب إدراج المفاتيح السرية أو كلمات المرور بصورة مكشوفة في مستندات قد يؤدي تداولها إلى تعريض الأصول الرقمية لخطر السرقة أو الاستيلاء غير المشروع.
وبذلك لا تقتصر حماية التركة الرقمية على تحديد من يستحق الإرث، وإنما تمتد إلى ضمان وجود وسيلة قانونية وآمنة تمكّن أصحاب الحق من التعرف على الأصول الرقمية والوصول إليها وإدارتها بعد وفاة مالكها.
ثالثاً: المحكمة المختصة بنظر التركة الرقمية
إذا كانت التركة داخلة ضمن الاختصاص القضائي لمحاكم دبي، فإن محكمة التركات في دبي هي المحكمة المختصة أصلاً بنظر مسائل التركة وما ينشأ عنها من دعاوى وطلبات، وفقاً للقواعد المنظمة لاختصاصها.
وقد أنشئت محكمة التركات في إمارة دبي بموجب المرسوم رقم (25) لسنة 2023 بشأن إنشاء محكمة التركات في إمارة دبي، وأسند إليها اختصاص نظر دعاوى التركة ودعاوى قسمة الملكية الشائعة، وكذلك الدعاوى والطلبات الناشئة عنها.
كما نظم مرسوم بقانون اتحادي رقم (41) لسنة 2024 في شأن إصدار قانون الأحوال الشخصية اختصاص قاضي التركات، ومن ذلك إثبات الوفاة وحصر الورثة، وحصر وتصفية وتوزيع التركة، واتخاذ الإجراءات اللازمة للمحافظة عليها، والفصل في المنازعات المتعلقة بالتركة وتصفية أموالها وقسمتها، وكذلك المنازعات المدنية أو العقارية أو التجارية الناشئة عن التركة أو المتفرعة عنها، وفقاً لأحكام القانون.
وبناءً على ذلك، فإذا ثبت أن العملات الرقمية أو المحافظ الرقمية أو غيرها من الأصول الرقمية كانت مملوكة للمتوفى، فإن طلب إثبات ملكيتها وإدخالها ضمن عناصر التركة وحصرها وتصفيتها أو قسمتها يدخل – من حيث الأصل – ضمن المسائل المرتبطة بالتركة، متى كان الاختصاص منعقداً لمحاكم دبي.
إلا أنه يجب التمييز بين اختصاص محكمة التركات بنظر الحق في التركة وبين الإجراءات التي قد تكون لازمة للوصول الفعلي إلى الأصل الرقمي.
فإذا كانت العملات الرقمية موجودة لدى منصة مركزية، فقد يستلزم الأمر اتخاذ إجراءات قانونية تجاه المنصة أو الجهة الحائزة للأصل.
أما إذا كانت العملات محفوظة في محفظة خاصة ولا توجد جهة وسيطة تملك القدرة على الوصول إليها، فقد تكون المشكلة ذات طبيعة تقنية بالإضافة إلى طبيعتها القانونية.
رابعاً: القانون الواجب التطبيق على التركة الرقمية
يجب التمييز بين المحكمة المختصة وبين القانون الواجب التطبيق.
فمجرد انعقاد الاختصاص لمحكمة التركات في دبي لا يعني بالضرورة أن جميع المسائل المتعلقة بالتركة الرقمية تخضع تلقائياً للقانون الإماراتي دون بحث، إذ يجب تحديد القانون الواجب التطبيق وفقاً لقواعد الإسناد وتنازع القوانين ذات الصلة.
ويتوقف ذلك على عدة عناصر، من بينها:
- جنسية المتوفى.
- موطنه أو محل إقامته بحسب الأحوال.
- ديانته في الحالات التي تكون فيها الديانة مؤثرة في تحديد الأحكام الواجبة التطبيق.
- وجود وصية من عدمه.
- طبيعة الأصل محل التركة.
- مكان وجود الأصل أو الجهة الحائزة له.
- طبيعة العلاقة القانونية بين المتوفى والمنصة أو الجهة التي تحتفظ بالأصل.
- وأي اتفاق أو شروط تعاقدية صحيحة تكون ذات صلة بالمسألة.
ومن هنا يجب التمييز بين مسألتين مختلفتين:
المسألة الأولى: انتقال الأصل الرقمي إلى الورثة
وهذه تتعلق بأحكام التركة والميراث والوصية والقانون الواجب التطبيق على انتقال أموال المتوفى وحقوقه إلى مستحقيها.
المسألة الثانية: العلاقة مع المنصة أو الجهة الحائزة للأصل
فإذا كانت العملات الرقمية محفوظة لدى منصة مركزية، فقد تنشأ علاقة قانونية مستقلة بين المتوفى والمنصة، وقد تتعلق هذه العلاقة بشروط استخدام المنصة والقانون الذي يحكمها والاختصاص القضائي المتعلق بها.
أما إذا كانت العملات الرقمية موجودة في محفظة خاصة، فإن المسألة تختلف؛ لأن الوصول إليها قد لا يكون متوقفاً على موافقة جهة مركزية، وإنما على امتلاك المفتاح الخاص أو وسيلة الاسترداد.
ومن ثم، فإن معالجة التركة الرقمية قد تتطلب تطبيق أكثر من مجموعة من القواعد القانونية، بحسب طبيعة الأصل والواقعة محل النزاع.
ولهذا فإن الأدق قانوناً ألا يقال بصورة مطلقة إن "العملات الرقمية تخضع لقانون واحد"، وإنما يجب أولاً تحديد طبيعة المسألة القانونية محل البحث، ثم تحديد قاعدة الإسناد والقانون الواجب التطبيق عليها.
خامساً: الخلاصة
أصبحت التركة الرقمية واقعاً قانونياً ومالياً جديداً فرضه التطور التكنولوجي وانتشار الأصول الرقمية والعملات المشفرة.
ولا تقتصر المشكلة على معرفة من هم الورثة، وإنما تبدأ قبل ذلك من معرفة ما الذي تركه المتوفى من أصول رقمية، وأين توجد، وهل يمكن الوصول إليها أصلاً.
وتزداد أهمية المسألة بالنسبة إلى العملات الرقمية؛ فقد تكون للمتوفى أصول رقمية ذات قيمة مالية كبيرة، ولكن فقدان المفتاح الخاص أو وسائل الوصول إليها قد يؤدي إلى تعذر الانتفاع بها، رغم ثبوت ملكيتها للمتوفى.
وفي دبي، إذا انعقد الاختصاص لمحاكم دبي، فإن محكمة التركات هي الجهة القضائية المختصة أصلاً بنظر مسائل التركة وما يتفرع عنها، بما في ذلك ما يتعلق بحصر وتصفية وتوزيع أموال التركة، مع مراعاة قواعد الاختصاص والقانون واجب التطبيق في كل حالة.
أما القانون الواجب التطبيق، فلا يمكن تحديده بمجرد القول إن الأصل "رقمي"، وإنما يجب بحث قواعد تنازع القوانين وطبيعة الأصل ومركز المتوفى وجنسيته ووجود الوصية وطبيعة العلاقة بالمنصة أو الجهة الحائزة للأصل، وغير ذلك من عناصر الإسناد ذات الصلة.
ومن ثم، فإن التخطيط المسبق للتركة الرقمية أصبح ضرورة عملية وقانونية لكل من يمتلك أصولاً رقمية ذات قيمة، وذلك من خلال حصر هذه الأصول وترتيب كيفية التعرف عليها والوصول إلى المعلومات اللازمة بشأنها بعد الوفاة، بطريقة آمنة وقانونية لا تعرض الأصول لخطر الضياع أو الاستيلاء غير المشروع.
وفي النهاية، فإن السؤال الذي تفرضه التركة الرقمية ليس فقط:
من يرث؟
وإنما أيضاً:
ماذا ترك المتوفى؟ وأين توجد أصوله الرقمية؟ وهل يستطيع الورثة الوصول إليها؟ وأمام أي محكمة يطالبون بها؟ وما القانون الذي يحكم انتقالها إليهم؟
وهذه الأسئلة تجعل التركة الرقمية من الموضوعات القانونية المستحدثة التي تتطلب الجمع بين أحكام التركات، وقواعد تنازع القوانين، والتنظيم القانوني للأصول الرقمية، والجوانب التقنية المرتبطة بالمحافظ والمنصات الإلكترونية.