هل يحق لأبناء الزوجة الأولى مطالبة الزوجة الثانية بمغادرة منزل الزوجية بعد وفاة والدهم؟
بقلم: المستشار محمود عبدالرحمن – مستشار قانوني ومحامٍ
(م. أ – دبي)
تُعد مسألة بقاء الزوجة في منزل الزوجية بعد وفاة زوجها من المسائل التي قد تثير نزاعاً بين الورثة، وبصفة خاصة عندما يكون للمتوفى أبناء من زوجة سابقة، ويكون منزل الزوجية من ضمن أموال التركة.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل يحق لأبناء المتوفى أو غيرهم من الورثة مطالبة الزوجة الثانية بمغادرة منزل الزوجية فور وفاة والدهم، بحجة أن المنزل أصبح من أموال التركة وأن ملكيته انتقلت إليهم؟
للإجابة عن هذا التساؤل، يجب التمييز بين انتقال ملكية أموال التركة إلى الورثة وبين الحقوق التي يقررها القانون للزوجة المعتدة من وفاة زوجها.
أولاً: حق الزوجة المعتدة في السكنى بعد وفاة زوجها
نظم قانون الأحوال الشخصية الإماراتي أحكام عدة المتوفى عنها زوجها وحقها في السكنى خلال هذه الفترة.
فقد نص مرسوم بقانون اتحادي رقم (41) لسنة 2024 في شأن إصدار قانون الأحوال الشخصية على أن عدة المتوفى عنها زوجها تبدأ من تاريخ الوفاة، وأن المرأة غير الحامل تعتد أربعة أشهر وعشرة أيام، بينما تنتهي عدة الحامل بوضع حملها.
كما قرر القانون أن المعتدة من الوفاة لا نفقة لها، إلا أنها تستحق السكنى في بيت الزوجية مدة عدتها.
ومن ثم، فإن وفاة الزوج لا تعني وجوب مغادرة الزوجة لمسكن الزوجية فوراً، ولا تمنح الورثة لمجرد انتقال أموال التركة إليهم الحق في إخراجها من المسكن خلال مدة العدة، متى كان المسكن هو بيت الزوجية الذي كانت تقيم فيه وقت وفاة زوجها، وتوافرت الشروط القانونية لاستحقاق السكنى.
ثانياً: انتقال ملكية التركة لا يعني جواز إخراج الزوجة فوراً
من الآثار المترتبة على وفاة الشخص انتقال أمواله وحقوقه المالية إلى مستحقيها وفقاً لأحكام الميراث.
إلا أن انتقال ملكية المال إلى الورثة لا يعني بالضرورة أن يصبح المال خالياً من جميع الحقوق القانونية المقررة للغير.
ومن ذلك حق الزوجة المعتدة من الوفاة في السكنى في بيت الزوجية خلال مدة عدتها.
فإذا كان منزل الزوجية مملوكاً للمتوفى، فإنه يدخل من حيث الأصل ضمن عناصر التركة، ولكن ذلك لا يؤدي بذاته إلى إسقاط حق الزوجة المعتدة في السكنى الذي قرره لها القانون.
ومن هنا يجب التمييز بين:
ملكية العقار:
وهي التي تنتقل إلى الورثة وفقاً لأحكام التركة.
وبين:
حق الزوجة المعتدة في السكنى:
وهو حق قانوني مؤقت يستمر خلال مدة العدة وفقاً للأحكام المقررة قانوناً.
وبالتالي، فإن دخول المنزل ضمن التركة لا يعني أن للورثة الحق في إخراج الزوجة منه فور وفاة الزوج.
ثالثاً: هل تستحق الزوجة نفقة من التركة؟
ينبغي التمييز بين النفقة وبين السكنى.
فقد قرر قانون الأحوال الشخصية الإماراتي أن معتدة الوفاة لا نفقة لها، إلا أنه منحها في المقابل حق السكنى في بيت الزوجية مدة العدة.
ومن ثم، لا يصح القول إن الزوجة تستحق نفقة زوجية من تركة زوجها لمجرد كونها في فترة العدة، وإنما يكون لها حق السكنى خلال المدة التي حددها القانون.
وهذا التفريق مهم؛ لأن حق السكنى لا يعني بالضرورة استحقاق نفقة زوجية، كما أن عدم استحقاق النفقة لا يعني سقوط حقها في السكنى.
رابعاً: ما مدة بقاء الزوجة في منزل الزوجية؟
إذا كانت الزوجة غير حامل، فإن عدتها من وفاة زوجها تكون أربعة أشهر وعشرة أيام تبدأ من تاريخ الوفاة.
أما إذا كانت حاملاً، فإن عدتها تنتهي بوضع الحمل.
وخلال مدة العدة، يكون للزوجة المعتدة من الوفاة حق السكنى في بيت الزوجية وفقاً للأحكام القانونية المنظمة لذلك.
وبالتالي، لا يجوز للورثة اختزال المسألة في مجرد القول إن المنزل أصبح ملكاً لهم؛ إذ يتعين عليهم مراعاة الحق القانوني المقرر للزوجة المعتدة.
خامساً: ماذا يحدث بعد انتهاء العدة؟
بانتهاء العدة، ينتهي حق الزوجة في السكنى الذي كان مقرراً لها بسبب كونها معتدة من وفاة.
وعندئذٍ يعود التعامل مع العقار وفقاً لأحكام التركة وحقوق الورثة وأي حقوق أخرى ثابتة للزوجة أو للغير.
فإذا كان المنزل مملوكاً للمتوفى، فإنه يكون من عناصر التركة، ويجري التعامل معه وفقاً للقواعد المتعلقة بحصر التركة وتصفيتها وقسمتها، سواء بالقسمة أو البيع أو بأي وسيلة قانونية أخرى بحسب طبيعة المال واتفاق الورثة أو ما تقرره المحكمة المختصة.
ولا يعني ذلك أن الزوجة تفقد بالضرورة كل حق لها في العقار بعد انتهاء العدة؛ فقد تكون لها حقوق أخرى في التركة بصفتها وارثة، أو حقوق قانونية مستقلة بحسب ظروف كل حالة.
سادساً: هل يجوز إخراج الزوجة من المنزل قبل انتهاء العدة؟
الأصل أن حق الزوجة المعتدة من الوفاة في السكنى يستمر خلال مدة العدة، ولا يجوز للورثة التعامل مع المسكن باعتباره خالياً من أي حق للزوجة لمجرد وفاة الزوج.
ولكن قد توجد حالات أو ظروف استثنائية تستوجب بحث الأمر قضائياً، كوجود نزاع حول طبيعة العقار أو ملكيته، أو عدم صلاحية المسكن، أو وجود ظروف أخرى مؤثرة في حق السكنى.
وفي حال نشوء نزاع بين الزوجة والورثة، فإن الطريق القانوني هو اللجوء إلى المحكمة المختصة للفصل في مدى استحقاق السكنى وكيفية ممارستها، بدلاً من قيام أحد الورثة بإجبار الزوجة على مغادرة المسكن من تلقاء نفسه.
سابعاً: هل انتقال العقار إلى الورثة يسقط حق الزوجة في السكنى؟
لا.
فملكية العقار باعتباره جزءاً من التركة مسألة، وحق الزوجة المعتدة في السكنى مسألة أخرى.
وقد يجتمع الأمران معاً؛ فيكون العقار من أموال التركة، ويكون للورثة حقهم فيه، وفي الوقت ذاته يكون للزوجة المعتدة حق قانوني مؤقت في السكنى خلال مدة العدة.
وبالتالي، فإن انتقال الملكية إلى الورثة لا يعني بالضرورة أن لهم الحق في استعمال ملكيتهم بطريقة تؤدي إلى انتهاك حق قانوني مقرر للزوجة المعتدة.
الخلاصة
لا يحق لأبناء المتوفى أو لأي من ورثته مطالبة الزوجة المعتدة من الوفاة بمغادرة بيت الزوجية فور وفاة زوجها لمجرد أن المنزل أصبح جزءاً من التركة.
فوفقاً لأحكام قانون الأحوال الشخصية الإماراتي، فإن معتدة الوفاة لا تستحق النفقة، لكنها تستحق السكنى في بيت الزوجية مدة عدتها، وتكون عدة غير الحامل أربعة أشهر وعشرة أيام، بينما تنتهي عدة الحامل بوضع حملها.
ومن ثم، فإن انتقال ملكية المنزل إلى الورثة لا يؤدي بذاته إلى إسقاط حق الزوجة المعتدة في السكنى خلال مدة العدة.
أما بعد انتهاء العدة، فينتهي حق السكنى المقرر بسبب العدة، ويصبح للورثة التعامل مع العقار باعتباره من أموال التركة وفقاً للقانون، مع مراعاة أي حقوق أخرى قد تكون ثابتة للزوجة باعتبارها وارثة أو صاحبة حق مستقل.
وعليه، فإن القاعدة الأساسية في هذه المسألة هي:
دخول منزل الزوجية ضمن أموال التركة لا يعني خلوه من حق الزوجة المعتدة في السكنى؛ فملكية الورثة للعقار لا تسقط الحق القانوني المقرر للمعتدة خلال مدة العدة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق